محمد أبو زهرة
124
المعجزة الكبرى القرآن
ليثبت ضلال عبادتها ، وأنها لا تضر ، ولا تنفع ، فحطمها ، ويقول سبحانه وتعالى في ذلك : وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ ( 51 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ( 52 ) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ( 53 ) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 54 ) قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ( 55 ) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 56 ) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ( 57 ) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ( 58 ) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 59 ) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ( 60 ) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ( 61 ) قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ( 64 ) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ( 65 ) قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 67 ) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( 70 ) ( صدق اللّه تعالى العظيم ) . [ الأنبياء : 51 - 70 ] هذه قصة من قصص إبراهيم عليه السلام . ذكرها القرآن الكريم في موضع غير المواضع السابقة ، ولا نرى تكرارا فيها ، وإذا كان قد ذكر في قصة تتبع الكواكب والقمر والشمس الحكم على أبيه وقومه بالضلال ، فقد ذكر ذلك مجملا في الأول ، أما هنا فقد ذكر المناقشة التي جرت بينهم في ذلك ، ثم ذكر تدبيره في حطم الأصنام ، وإثبات عجز الأصنام بالدليل القاطع ، ثم نجاته من النار ، فكان بهذا مثبتا بالعمل أنهم لا ينفعون ولا يضرون ، ولما سألوه عما فعل بالأصنام قال متهكما : قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ، فأنطقهم بضلالهم إذ نكسوا ثم قالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ، وقد أثبت الواقع أيضا أن اللّه وحده هو الذي يضر وينفع إذ جعل سبحانه وتعالى النار بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ . وهنا لا نجد تكرارا مطلقا ، وإن الموضوع واحد ، فهذه قصة إبراهيم ولكن فرقت في أبواب شتى لأن النسق القرآني المعجز اقتضى ذلك ، إذ يكون كل جزء مكونا لقصة ذات عبرة مستقلة في ذاتها ، فهي قصة واحدة الموضوع ، في قصص متعددة العبر .